هل تستطيع أن تقول بقلب حزين لا كرامة لـ( عقاد) في بلده.كانت هذه أسئلة الناقد الراحل سامي خشبة الذي كنت أحسبه ينعي نفسه لأن أحدا من تلاميذه ومريديه الذين كانوا يتحلقون حوله في مكتبه أو في المنتديات التي يثريها بمناقشاته لم يتذكره اليوم وقد مر عام علي رحيله.
وأشهد بكثير من الامتنان والتقدير أن اللواء مصطفي السيد محافظ أسوان قد اتصل بي هاتفيا وفوجئت به يشاطرني الالم الذي يملأ فمي بالمرارة, وجسدي بالأوجاع, لكنه أكد أن الأشهر القليلة المقبلة سوف تشهد صحوة عقادية! بعقد مهرجان موسع يليق بصاحب العبقريات التي كانت كتاباته ـ في حينه ـ تهز عروش مصر وتزلزل المقاعد التي يجلس عليها رؤساء الاحزاب والوزراء… وادهشني أن محافظ أسوان يعرف الكثير عن هذا المفكر المتفرد في حياته وأدبه وفكره, وإذ أتوجه إليه بالشكر أود صادقا أن يستنهض جامعة جنوب الوادي التي كان من المنتظر أن تقوم ـ
هي ـ كمعقل للعلم والعلماء والمفكرين بهذه الصحوة أو علي الأقل تشارك فيها: لكن عزاءنا أن اللواء مصطفي السيد ـ أطال الله في عمره وابقاه ـ يعتزم استدراك ما فات, آملين أن تطوي صفحة الاهمال والتي فرضت علي العقاد فرضا, ولقد أثلج صدري أن عرفت أن د.أحمد مجاهد رئيس هيئة قصور الثقافة قد اهتم بالعقاد, وأخذ يبحث في أوراقه عن الفنان المنوط به نحت تمثال للعقاد بحيث يرتفع في سماء أسوان في الاحتفالات المقررة في شهر مارس المقبل, التي أكد محافظ أسوان أنها ستحمل كثيرا من الامتنان والتقدير لهذه القامة الأدبية والفكرية التي كانت تري أن أسوان( الأرض والسماء والأجواء الهادئة) هي المدرسة الأولي التي تعلم في ربوعها كيف يفكر وكيف يكتب وكيف يتعلم.
وهنا أعود بالذاكرة إلي سنوات خلت عندما زرنا الناقد الراحل سامي خشبة وأنا بيت عبقري فرنسا فيكتور هوجو.. واذكر أن سامي خشبة هاله التقدير الذي خصت به فرنسا شاعرها وأديبها الكبير, فكل كبيرة وصغيرة في حياة هوجو وجدت لها مكانا داخل هذا البيت المتحف… مؤلفاته وعاداته ومقتنياته وكل ما كتب عنه: طريقته في الملبس في المأكل, أوقات فراغه كيف كان يقضيها.. هواياته, نزواته, أفكاره التي لم يفسح العمر له وقتا لكي يكتبها.
ويضم البيت ـ المتحف كل قصاصة ورق تتكلم عنه ورسائل الدكتوراه والماجستير والابحاث التي تتناول هذه العبقرية, واقسم أن سامي خشبة الذي كان يقف امام كل هذه الاشياء في حالة غير مسبوقة من الانبهار, أخذ يضرب كفا بكف ونحن جلوس علي مقهي مجاور ويقول: لماذا لانهتم بكتابنا ومفكرينا كحال أهل الفرنجة, لماذا يلقي أدباؤهم التكريم بلا حدود بينما يلقي أدباؤنا الاهمال بلا حدود ايضا؟.. هل هي سمة من سمات الشرق الغارق حتي اذنيه في التخلف والجهل وسوء الطوية؟.